29 سبتمبر، 2022 | 12:45 صباحًا
مقالات كتّاب

التطبيع المؤجل إلى إشعار آخر بين تركيا ومصر

بقلم/طه عودة أوغلو/باحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية [1]خاص لصحيفة سراي بوست

لم تلبث أن لاحت بوادر الانفراج والتحسن في العلاقات بين تركيا ومصر مؤخرا حتى بدأت جهود التطبيع تعود أدراجها من جديد، وذلك بنفس السرعة والفجائية التي بدأت بها.

فعلى الرغم من اتخاذ كلا البلدين لبعض الخطوات العملية وإظهار إرادة سياسية واضحة باتجاه تحسين هذه العلاقات من ضمنها تهدئة الخطاب الإعلامي المتبادل وعدم الوقوف بوجه الآخر في المحافل والمنصات الدولية إلى أخر الإعلان عن عودة السفراء قريبا بين البلدين لكن من الواضح أنه لا زالت هناك حلقات مفقودة تقف حجر عثرة في طريق إعادة تجسير العلاقات.

صحيح أن مبادرة التطبيع جاءت من تركيا وبخطوة نوعية كانت تنتظرها السلطات المصرية بفارغ الصبر عندما وضعت “أنقرة” إعلاميي القنوات المصرية المعارضة العاملة في “اسطنبول” أمام خيارين أحلاهما مرّ بالنسبة لهم، إما وقف نشاطات قنوات المعارضة والتوقف عن بث البرامج السياسية الانتقادية للقاهرة ودول خليجية أخرى وتحويلها إلى فضائيات خاصة للمنوعات والدراما أو إغلاق البث نهائيا والرحيل/ترحيل المخالفين عن تركيا لكن يبدو أن هذه الخطوة لم ترقّ تماما إلى مستوى التطلعات المصرية التي تتمسك بضرورة تسليمها المعارضين.

إذا وضعنا التحفظات والمطالب المصرية جانبا، نرى أن كل المؤشرات الحالية تؤكد أن البوصلة التركية لا زالت مصممة على السير باتجاه إحراز تقدم في ملف التطبيع ربما لإدراك “أنقرة” أن هذا التوجه من شأنه أن يحقق بطريقة أو بأخرى مكاسب لها أكثر من القطيعة، ويفتح نوافذ لتحالفات جديدة وفرص استثمار في منطقة شديدة التعقيد والحساسية والأهمية بكل المقاييس. 

ولعل هذا السبب هو الذي دفع “أنقرة” بعد ما يقارب من 8 أعوام من القطيعة إلى إتباع دبلوماسية “الأبواب الخلفية” مع مصر أولا وبحث مقترحات معها بشأن إمكانية التوصل إلى مقاربات أو صياغات تمكنّ العلاقات من التحرك بنوع من المرونة، لتذهب من بعدها إلى الإعلان صراحة عن بدء مرحلة جديدة في العلاقات تضمنت زيارات ومباحثات متبادلة على أعلى المستويات/تمت بين جهازي الاستخبارات التركية والمصرية وعلى مستوى مساعدي وزيري الخارجية والدبلوماسيين.

وهذا الحراك دفع الكثيرين إلى التفكير أن عودة العلاقات وتطبيعها بين البلدين الإقليميين الكبيرين باتت مسألة وقت لا أكثر لكن يبدو بأن الرياح لم تجر كما تشتهي السفن، وهذا يمكن ربطه بعدة أسباب أهمها عقدة الملف الليبي التي ما زالت تراوح مكانها وفشل التوافق بشأن دفع الأمور قدما في ليبيا لحين إجراء انتخابات عامة نهاية العام الحالي بعد تمسك “القاهرة” بخروج تركيا غير المشروط من ليبيا، وهو ما ترفضه “أنقرة” التي ترى أن تواجدها شرعي ومصادق عليه من قبل حكومة “الوفاق” السابقة.

أما العقبة الكبيرة الأخرى التي تقف عائقا أمام استمرار المباحثات بين الجانبين هي شرق المتوسط حيث ترفض “القاهرة” أي مفاوضات أو تنازلات حول ملف غاز شرق المتوسط أو غيره مع العلم أن أحد الأهداف التكتيكية لتقارب مصر مع تركيا كان يتمثل بالضغط على حلفائها الذين تنكروا لها في مشروع مد خط نقل الغاز البحري “ايست ميد” من شرق المتوسط وحتى أوروبا، والذي تم استبعاد مصر منه، وإجبار هذا التكتل على وضعها ضمن حساباتهم في مشاريع الغاز.

في المقابل، ترى تركيا في مصر وسيلة لفك عزلتها الداخلية والخارجية وسط توتر علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليونان وقبرص وإسرائيل وكذلك مع المحيط الإقليمي والعربي، كما وترغب باستخدام الورقة المصرية أيضا للضغط بقوة على جارتها اليونان للجلوس على طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات حقيقة وحسم الملفات الخلافية في المتوسط وبحر إيجة، ما يعني أن كلا البلدين يلتقيان عند أهداف ومصالح مشتركة.

لكن اللافت في الأمر أن تركيا التي كانت المبادرة لإصلاح العلاقات مع مصر خرجت مؤخرا بتصريح مغاير لما أبدته من نية التصالح عندما أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان قبل أيام خلال  اتصال هاتفي أجراه مع نظيره الإثيوبي إن تركيا ستواصل تقديم جميع أنواع الدعم لدولة إثيوبيا وهو ما أثار تساؤلات عديدة حول الأسباب والأهداف التركية من هذه الخطوة بينما يزداد توتر العلاقات بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى بسبب سد النهضة، وهو التصريح الذي قد يجعل من محاولات “أنقرة” لإصلاح العلاقات مع “القاهرة” أصعب في المرحلة القادمة لكن في المقلب الأخر يرى الكثير من المتابعين أن هذه التصريحات قد تكون رد فعل على قرارات الإعدام الأخيرة بحق قيادات الإخوان من جهة بينما من جهة أخرى محاولة تركية للضغط على مصر ودفعها بطريق استغلال فرصة المصالحة التي يمكن أن تهيئ للعب دور وساطة مهم في حل الأزمة على غرار ما أعلن المبعوث الشخصي للرئيس التركي إلى العراق فيصل إرأوغلو أن “بإمكان تركيا القيام بوساطة في أزمة ملف سد النهضة”. 

خلاصة الحديث؛ كل المعطيات تشير إلى أن الشكوك لا زالت تراود كل من تركيا ومصر بشأن النوايا المتبادلة وهو ما يؤخر خطوات كسر الجمود ذلك أن أي تفاهم أو عملية إعادة تطبيع علاقات بين بلدين متخاصمين لابد من تقديم تنازلات متوازية، وهو الأمر الذي لم يتضح حتى الآن بشأن كامل الملفات العالقة. لكن مع ذلك، هذه التفاهمات لم تصل بعد إلى طريق مسدود، ولغة المصالح الإستراتيجية ما زالت باقية، وهذا ما نلحظه في بعض الملفات ليبدو السيناريو الأرجح حاليا في مسار الانفتاح على وقع “تطبيع مؤجل إلى إشعار آخر”.

المصادر

المصادر
1 خاص لصحيفة سراي بوست