29 سبتمبر، 2022 | 1:13 صباحًا
مقالات كتّاب

حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في ذكرى تأسيسه الـ21: تحديات صعبة داخلياً وخارجياً

بقلم/طه عودة أوغلو/باحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية

١٩-٨-٢٠٢٢م

لم يكن احتفاء حزب “العدالة والتنمية”، قبل أيام، بعامه الـ21 كسابقاته من الأعوام التي كان يعيش فيها مجده الكبير بالإنجازات السياسية والاقتصادية والعسكرية القوية والبناءة التي حققها على مدار سنوات حكمه بل مرّ هذه المرة بشيء من المرارة في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد، ليواجه هذا العام أكثر المراحل حساسية في مسيرته السياسية.هذه الحساسية برزت من خلال تصريحات الرئيس رجب طيب إردوغان الذي اعتبر في أكثر من حديث له أن “الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلةفي صيف عام 2023، ستكون بمثابة مفترق طرق،بالنسبة لحزبه”.

صحيح هو أمر لا يختلف عليه اثنان من أن منشأ هذه الأزمة الاقتصادية “عالمي أكثر منه داخلي”، لكن ثقة الشعب بحكومة الرئيس إردوغان وقدرتها على مقاومة كل الآثار السلبية المترتبة على تراجع الاقتصادي كانت أقوى وأكبر، وللأسف مع كل الجهود التي بذلتها إلا أن المعاكسات الاقتصادية وانعكاساتها القاسية على الشعب امتدت لتطال تركيا أيضا كما غيرها من الدول.
منذ تأسيس الحزب الحاكم عام 2001، ولا سيما مع استلام الرئيس إردوغان دفة الزعامة في عام 2002، شهد صعودا سريعا وقويا كما لم يشهده أي حزب آخر. وفي كلمة له بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ21 على إنشاء الحزب الحاكم، نشرها عبر سلسلة تغريدات على حسابه في “تويتر”، استعرض إردوغان ضمن رسوم بيانية المرحلة التي وصلت إليها تركيا في عهده من مجالات الاقتصاد، والصناعة،والبيئة، والتمدن العمراني، والطاقة، والزراعة،والثقافة والسياحة، والصناعات الدفاعية،والتكنولوجيا، والممثليات الخارجية، فقال عن مجال الاقتصاد أن حكوماته المتعاقبة ساهمت برفع متوسط نسبة النمو السنوية من أقل من 1 بالمئة إلى 5.1 بالمئة، ووفرت فرص عمل لـ9 ملايين شخص على مدار 19 عاما، ورفعت الناتج الإجمالي المحلي الزراعي لأكثر من 333 مليار ليرة عام 2020 بعدما كان لم يتجاوز 37 مليار ليرة سابقا. كما تحدث عن قيامه بمشروعي “تاناب” (خط أنابيب غاز العابر للأناضول)، و”السيل التركي” (خط أنابيب لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا)، وتشغيل وحدتي تخزين وتغوير عائمة للغاز الطبيعي المسال في ولايتي”أزمير” و”هاتاي”، واكتشاف احتياطي غاز طبيعي بحجم 540 مليار متر مكعب، بالإضافة إلى رفع عدد ممثليات تركيا بالخارج من 163 إلى 252، لتصبحخامس أكبر شبكة تمثيل في العالم. هذا كله إلى جانب رفع عدد مشاريع الصناعات الدفاعية من 62 إلى 750، ورفع ميزانية مشاريع الصناعات الدفاعية من 5.5 مليار دولار إلى 75 مليار دولار، لتدخل تركيا في قائمة الدول الأبرز بإنتاج الطائرات المسيرة، وزيادة عدد المناطق الصناعية المنظمة من 192 إلى 325، وإنشاء 79 تكنوبارك، و22 مدينة صناعية،وتشغيل وكالة الفضاء، وتحديد برنامج الفضاء الوطني الخاص بنا، وتصنيع السيارة المحلية التي سترى النور في عام 2023، وإنشاء خامس فرقاطة ضمن إطار مشروع “السفينة الوطنية/ميلغم”، تحمل اسم “فرقاطة اسطنبول تي جي غي”. كما ودخلت تركيا ضمن 10 دول تصمم وتبني سفنها الحربية بنفسها حيث بدأت أيضا بالإنتاج التسلسلي
لأول سفينة حربية مسيرة محلية “أولاق”. إلى جانب أنالصادرات التركية حطمت رقما قياسيا خلال العام بتجاوزها الـ203 مليارات دولار في 11 شهرا، والإنتاج التسلسلي للقاح “توركوفاك” المضاد لفيروس “كورونا”، لتصبح تركيا بذلك واحدة من 9 دول فقط تنتج لقاحات كورونا، كما بلغت عائدات القطاع السياحي في البلاد، العام الماضي، 24 مليار دولار، وبلغ عدد زوار تركيا 29 مليونا.

طبعا كله هذه الإنجازات سواء التي ذكرها إردوغان أو لم يتسع له الوقت لذكرها، ساهمت على مدار أكثر من عقدين على تأسيسه في ترسيخ اسمه وبصمته وزيادة شعبيته عاما بعد عام.. لكن اعتبارا من عام 2018، بدأت الخضات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد بفعل الكثير من العوامل والمؤثرات الداخلية والخارجية تنتقص قليلا من شعبيته. فعلى الصعيد الداخلي، برزت التحديات المرتبطة بالاقتصادوالمشاكل الاجتماعية المتعلقة بارتفاع حدة العداء للأجانب، وتصاعد الأصوات المطالبة بإعادة السوريين إلى بلادهم جنبا إلى جنب مع التحديات السياسية الأخرى المتمثلة باتساع رقعة المعارضة مع انشقاقات شهدها الحزب، ورحيل رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو عنه، وتأسيسه حزب “المستقبل” ونائب رئيس الوزراء السابق علي باباجان، الذي أسس حزب “دواء”، يضاف إليها الجهود التي تبذلها أحزاب المعارضة منذ أكثر من عام لتنسيق مواقفها، والاتفاق على العودة إلى النظام البرلماني. ناهيك عن مسألة الحريات والحقوقمع تصاعد الأصوات المعارضة مؤخرا التي تتهم الحكومة بتقييد الحريات واعتقال صحافيين وسياسيين من بينهم الزعيم السابق لحزب “الشعوب الديمقراطي” صلاح الدين دميرطاش، ورجل الأعمال عثمان كافالا.
وبالمثل أيضا، يرى الخبراء أن من أهم التحدياتالتي تواجه الحزب الحاكم هو تراجع حضوره لدى شريحة الشباب تحديدا، وهو أمر له شواهده في المحطات الانتخابية التي خاضها الحزب في السنوات القليلة الأخيرة، وكذلك في استطلاعات الرأي. ولعل أحد أهم أسباب ذلك أن شباب اليوم لم يعرفوا تركيا ما قبل “العدالة والتنمية”. بالتالي،فتقديرهم لإنجازات الحزب أقل بكثير من تقدير الأجيال السابقة عليهم، وخوفهم من غياب الحزب عن حكم تركيا، أقل بكثير من خوف هؤلاء.

وعليه، يكاد يكون هناك إجماع تام بين المحللين أنه ينبغي على الحزب الحاكم والرئيس إردوغان معالجة الكثير من التحديات الراهنة لاستعادة ثقة الشعب وسط أرقام وإحصائيات غير مبّشرة نشرتها بعض معاهد استطلاع الرأي من أن نسبة التأييد للحزب تتراوح بين 30 و35 في المائة من أصوات الناخبين فقط، بعد أن كانت قد وصلت في عام 2015 إلى نحو 50 في المائة.. لكن على الرغم من كل شيء، يؤمن الكثيرون أن إردوغان الرئيس والقائد والزعيم صاحبالكاريزما والرمزية والإنجازات الفريدة قادر على استعادة هذه الشعبية ومواجهة كل التحديات والعوائق التي تعيق نجاحه تماما كما فعل منذ تأسيس الحزب، فهو ما زال لغاية اليوم يمثل “رقما صعبا” في الحياة السياسية التركية، وزعيم محبوب لا يوجد في المعارضة من يملك القدرة على منافسته.. وبالتأكيد، يبقى إردوغان هو “الحصان الذهبي” الذي يراهن عليه الحزب لتعزيز حظوظه في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة سواء بقيت على موعدها في 2023 أو بُكّرت لموعد أقرب.