29 سبتمبر، 2022 | 12:57 صباحًا
مقالات كتّاب

الوضع الإقليمي المعقد .. ومسار العلاقات التركية السعودية

بقلم/ طه عودة أوغلو / باحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية [1]خاص لصحيفة سراي بوست


لم يسبق للعلاقات التركية-السعودية وأن واجهت اختبارات صعبة كحالها في السنوات الأخيرة لا سيما أن هذان البلدان الفاعلان في المنطقة والعالم الإسلامي ارتبطا دائما بعلاقات مستقرة خلاصتها تغليب عقل الدولة ومصلحة البلاد والشعب على أي مصالح أخرى.

إلا أن شرارة التوتر بين البلدين اشتعلت فجأة مع بداية الأزمة الخليجية وحمى وطيس نار العلاقات أكثر على وقع تطورات إقليمية كثيرة استجدت خلال السنوات الخمس الماضية استنزفت معها العلاقات تدريجيا لتصل اليوم إلى مرحلة غير مسبوقة من التحولات البالغة التعقيد والتشعب.

لطالما تميزت العلاقات التركية-السعودية بالتعاون طيلة عقود خصوصا أنها تـأسست على حجر متين ينظر بالدرجة الأولى إلى تحقيق منافع متبادلة اقتصادية ومواجهة تحديات مشتركة وبالأخص التحدي الإيراني المتصاعد في المنطقة وقد تجلى ذلك في التقارب والتشارك بدعم المعارضة السورية في مواجهة نظام بشار الأسد.




فالمحادثات السعودية-التركية المهمة التي عقدها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والملك سلمان بن عبد العزيز بتاريخ 29-12-2015 في “الرياض” أفرزت معها توافق تام بين البلدين على تحقيق تكامل وتعاون استراتيجي عسكري وسياسي واقتصادي لمعالجة كل المشاكل التي تعترض طريق الدولتين ومعها تحديات المنطقة، فحدث وأن تم الاتفاق على أهمية التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب وتحمل المسئولية الرئيسية في هذا التحالف، خصوصا أن المملكة وتركيا تربطهما اتفاقيات عدة أبرزها مذكرة تفاهم لمجلس تعاون استراتيجي مع أنقرة تم التوقيع عليها في أبريل 2016 بهدف توحيد المواقف السياسية والاستراتيجية والأمنية بين البلدين وتحديد مسار التعامل مع الأزمات في كل من سوريا، والعراق، واليمن وفي الحرب ضد الإرهاب.

لكن بعد هذا التقارب وشبه التنسيق التام بين تركيا والسعودية في الكثير من ملفات المنطقة ودعم تركيا لعملية “عاصفة الحزم” في اليمن عادت الخلافات لتفرض نفسها من جديد لا سيما مع ظهور الأـزمة الخليجية  والتطورات في مصر  لتصل أخيرا إلى مرحلة الانكسار بعد حادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده باسطنبول في عام 2018.

وعلى الرغم من حرص تركيا على علاقات جيدة مع السعودية والمواقف الإيجابية والداعمة من إردوغان للملك سلمان في ملفات عديدة في مقدمتها حرب اليمن إلا أن الأمور لم  تسر كما تشتهي السفن فاستمرت حالة الجفاء مع الأخذ بعين الاعتبار أن كلا البلدين لا زالا لغاية اليوم يحتفظان بـ”شعرة معاوية” في العلاقات خاصة الاقتصادية منها، ووجود السفراء، وتبادل البرقيات بين القادة في المناسبات الرسمية، وعقد الاجتماعات.

مع مطلع العام الجاري، وفي تغير لافت طرأ على خطاب السياسة الخارجية التركية دشنّت “أنقرة” سلسلة من الرسائل الإيجابية بغرض إعادة تأسيس التعاون مع “الرياض” في محاولة منها للتغلب على الخلافات التي وضعتها في عزلة خليجية خلال السنوات الماضية وأثرت على اقتصادها.

وجاء الخطاب الإيجابي الأخير تجاه السعودية على لسان مستشار الرئيس والمتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن الذي رحب ولأول مرة بالمحاكمة التي أجرتها السعودية وقضت العام الماضي بسجن ثمانية متهمين بقتل الكاتب جمال خاشقجي بين سبع سنوات و20 عاما وذلك في لفتة طيبة على طريق تصحيح وجهة العلاقات.

وهذا، بطبيعة الحال، كان تحولا لا يستهان به في الموقف التركي بعد أن كانت “أنقرة” تنتقد وبشدة مسار المحاكمة في السعودية بعد صدور الحكم بحق المتهمين السعوديين، ومتمسكة بفكرة أن المحاكمة بمجملها والأحكام التي صدرت عنها، لا ترقى أبدا لمستوى التوقعات.

يمكن قراءة هذا التغير الجذري في موقف “أنقرة” إزاء قضية خاشقجي من باب الرغبة التركية الحقيقية بفتح صفحة جديدة مع “الرياض”، وإشارة مهمة على الأغلب بأنها قررت إغلاق هذا الملف بشكل نهائي خصوصا أن هذه الإشارة من قالن لم تكن هي الأولى من نوعها التي وُضعت في إطار رسائل الغزل التي تمررها “أنقرة” إلى “الرياض” بل سبقتها إشارات ذات مستوى أقل أبرزها في ديسمبر 2020.

في تلك الفترة، أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز اتصالا هاتفيا وذلك قبل يوم واحد من قمة العشرين، في تطور برزت أهميته لكونه الوحيد الذي أجراه الملك سلمان مع رئيس دولة مشارك في القمة.

سبق ذلك لقاء ودي جمع وزيري خارجية السعودية فيصل بن فرحان آل سعود وتركيا ومولود تشاووش أوغلو، الأمر الذي أعطى صورة أكثر وضوحا لوجهة نظر الطرفين ولاسيما مع إشارة الأخير إلى أن بلاده تولي أهمية لعلاقاتها مع السعودية معتبرا في تصريحات سابقة أن “الشراكة القوية بين تركيا والسعودية ليست لصالح البلدين فحسب بل للمنطقة بأكملها.

هي تصريحات رسمية تأتي استكمالا لما صرحّ به الرئيس إردوغان عقب المصالحة الخليجية، عبرّ فيه عن استعداد بلاده التام للتعاون مع الدول الخليجية، واصفا هذه العلاقات بـ”الاستراتيجية” في إشارة إلى رغبة “أنقرة” بتطبيع علاقاتها مع “الرياض” بعد توتر وجفاء السنوات الأخيرة.

صحيح أن كل المؤشرات المذكورة سابقا توضع ضمن خانة التقارب بين “أنقرة” و”الرياض” لكن على الجانب المقابل، تشير إلى أن “أنقرة” هي من يتحمل الشق الأكبر في الجهد المبذول لإصلاح العلاقات مع السعودية والتي تظهر بدورها “بطيئة الاستجابة” لدعوات التطبيع التركية.

وعليه، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن فتح صفحة جديدة في العلاقات التركية-السعودية.. بالنظر إلى المشهد الحالي يمكن استشعار الإقبال والانفتاح بل والتصميم التركي على تبني التوجه الذي يتناسب مع حقيقة أن التوتر على المدى الطويل لن يكون من مصلحة أحد لكن في المقابل نرى أنه، ولغاية اللحظة، لا زال التحفظ السعودي سيد الموقف في مسايرة هذه الخطوات الانفتاحية التركية. بالتالي، يبدو أن “الرياض” مصرة على ترحيل ملف التطبيع مع “أنقرة” إلى الأسابيع أو ربما الأشهر المقبلة لمراقبة مجموعة من المستجدات في المواقف التركية إزاء المنطقة خصوصا نتائج المباحثات التركية-المصرية ومن ثم تقول كلمتها الأخيرة.

من هنا، ولكي تتضح الصورة أكثر عن طبيعة العلاقات التركية–السعودية المستقبلية، سننتظر قادم الأيام وما تحمله من متغيرات إقليمية جديدة يمكن أن تسهم في تذويب جليد العلاقات المجمدة تركياً وسعودياً، وانعكاسها على مسار ملفات المنطقة بمجموعها.

المصادر

المصادر
1 خاص لصحيفة سراي بوست