8 ديسمبر، 2022 | 8:42 صباحًا
أخبار دوليةسياسة حول العالم

منبج.. تاريخ وعراقة يئنان تحت وطأة إرهاب “واي بي جي”

منبج السورية التي ترزح تحت احتلال تنظيم “واي بي جي – بي كي كي” الإرهابي، هي أكبر مدينة في ريف محافظة حلب شمالي سوريا.

تقع منبج على بعد 85 كيلو متر شرق مدينة حلب، ويفصلها عن الحدود التركية نحو 30 كيلو متر، ويبلغ عدد سكانها قرابة 550 ألف نسمة، ويتبع لها إداريا عدد من النواحي و314 قرية ومزرعة في شرق نهر الفرات وغربه.

وتشكل العشائر العربية غالبية سكان منبج، كما تقطنها عشائر تركمانية، إضافة إلى الأكراد والشركس والأرمن.

وتشكل مساحة منبج 3.5 بالمئة من المساحة الاجمالية لسوريا، وتتمتع بالعديد من الثروات الطبيعية مثل المياه والحجر السوري والأراضي الخصبة والعديد من الجبال التي تحتوي على معادن مختلفة مثل البورن والجبال الكلسية.

ومنبج إحدى أهم المدن التي تضم مواقع أثرية مثل قلعة “نجم” ومعبد “هيرابولوس” والمدرج الروماني، بالإضافة إلى عدد من المباني العثمانية القديمة والتلال الأثرية الشاهدة على عدة حضارات.

** التاريخ والبنية الاجتماعية.

تعتبر إحدى أكبر المدن التي تقطنها العشائر العربية منذ عهد الفتح الإسلامي، وذكرت في العديد من كتب المؤرخين مثل معجم البلدان لياقوت الحموي، وغيره من المؤرخين الذين زاروها وكتبوا عنها وعن مجتمعها.

وكان أهل منبج يشتهرون بالزراعة والتجارة والنسيج والخياطة، ويذكر بعض المؤرخون أن عباءة رسول الله (ص) نسجها أهل منبج.

وتمثل العشائر العربية ما نسبته 95 في المئة من سكان منبج، والعشائر التركمانية 3 في المئة، فيما يمثل الأكراد والشركس والأرمن 2 في المئة من السكان.

تزخر بالعديد من الأوابد الاثرية والتاريخية التي تدل على الحضارات التي تعاقبت عليها، غير أنها تعرضت لأعمال نهب وتخريب إبان سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي ، ومن بعده تنظيم “واي بي جي” حيث عكف التنظيمان على سرقة آثار المدينة وتهريبها.

** الثقافة والتراث

هي مدينة العديد من العلماء ورجال الأدب والشعر والسياسة والهندسة الذين تركوا إرثاً كبيرا في شتى المجالات، وينتمي إليها عدد كبير من الشعراء والعظماء، بينهم الوليد بن عبادة المعروف بالبحتري، كما كانت جزءا من دولة الحمدانيين في عهد الأمير الشهير سيف الدولة.

وينتمي إلى منبج شاعر سوريا المعروف عمر أبو ريشة، وهو أحد رجالات الأدب والشعر والسياسة الذي مثل سوريا في العديد من الدول من بينها الأرجنتين بصفته سفيرا.

وينحدر من منبج أيضا المهندس حسن حاج حسين كبير المهندسين الذين ساهموا في بناء سد الفرات، كما ينحدر منها الشاعر الأديب محمد منلا غزيل.

** اقتصاد منبج

تحوز منبج على موقع حيوي واستراتيجي جعلها محل صراع للعديد من القوى الدولية الفاعلة في سوريا بحكم جغرافيتها الحيوية وباعتبارها بوابة غرب سوريا إلى شرقها.

تتربع على الطريق الدولي “M4” الذي يربط شرقي سوريا بغربها، ما خولها أن تكون مركزا اقتصاديا محليا، كما أن سد تشرين الواقع في جنوبها هو أحد أكبر السدود في سوريا.

وتعد منبج من أهم المدن التي تنتج مادتي القمح والشعير على 120 ألف هكتار صالح للزراعة نظرا لوفرة المياه السطحية والجوفية، بالإضافة إلى اشتهارها بزراعة أشجار الزيتون والأشجار المثمرة.

** منبج والثورة

على غرار أغلب المدن السورية، خرج أهالي منبج في مظاهرات سلمية ضد نظام الأسد الذي واجه أهلها بالرصاص الحي، وخضعت المدينة لسيطرة الجيش الحر (الوطني حالياً) في 14 يولو/ تموز 2012، إلا أنه وبعد أشهر استولى عليها تنظيم “داعش” الإرهابي إثر معارك.

تعرضت المدينة لقصف عنيف وغارات جوية من قبل قوات التحالف خلال تواجد “داعش” فيها، وأدت الغارات إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية بينها صوامع الحبوب وبعض المباني والمنشآت الحكومية والمدارس وعدد من منازل المدنيين.

في أغسطس/ آب 2016 وبدعم من الولايات المتحدة سيطر “واي بي جي” على مدينة منبج، ومنذ لحظة إعلان السيطرة عليها كشف التنظيم عن نواياه الحقيقية وبدأ بممارسة سياسة التهجير للسكان من العرب والتركمان، وجهد في تغيير تركيبتها السكانية عبر تهجير السكان الأصليين بذريعة محاربة “داعش”.

أقدم التنظيم على إفراغ عدد من سكان القرى المحيطة من أهلها أغسطس عام 2016 وتهديدهم بقصفهم عبر طيران التحالف في حال لم يخرجوا منها.

وارتكب “واي بي جي” عددا من المجازر أبرزها “بئر محلي” التي راح ضحيتها 68 مدنيا بينهم نساء وأطفال، ولم تأخذ المجزرة حقها من التحقيق الدولي.

كما أجبر التنظيم آلاف السكان على إخلاء منازلهم في عدد من القرى القريبة من سد تشرين بعد محاصرتها.

رفض السكان سياسة التهجير واشتعلت المظاهرات ضد التنظيم، ما اضطر التحالف الدولي إلى التدخل وأعاد بعض السكان إلى قراهم خشية الوقوع في حرج أمام الرأي العام.

رغم تقديم الولايات المتحدة التي تقود التحالف الدولي ضمانات بعدم تهجير السكان، إلا أن هذه الضمانات لم تردع “واي بي جي” عن الاستمرار بسياسة القمع والإرهاب بحق السكان الأصليين من الغالبية العربية.

ومن بين ممارسات التنظيم، فرض التجنيد الإجباري، وسلب السكان حقوقهم، وسلب العديد من معارضيه منازلهم وبيوتهم وحولها لمقرات عسكرية، ومارس بحقهم عمليات الاعتقال التعسفي والتعذيب في المعتقلات.

كما سعى التنظيم إلى تغيير الهوية الثقافية لمنبج ومحاولة تغيير اسمها وشوارعها ومعالمها الرئيسة، إلا أن هذه المحاولات المتكررة فشلت بسبب رفض الأهالي هذه السياسة والتصدي لها ومناهضتها عبر الاحتجاجات السلمية التي راح ضحيتها عدد من المدنيين.

** أحداث منبج

في سبتمبر/ أيلول 2017 أصدر “واي بي جي” قرارا يلزم أبناء منبج بالتجنيد الإجباري، مما أثار حفيظة السكان الذين ردوا على القرار عبر المظاهرات، فقام التنظيم باعتقال عشرات وسوقهم للتجنيد الإجباري ما دفع السكان إلى مقاومته واشتعلت المدينة واقتحم أهالي منبج مقرات التنظيم وقاموا بإخلاء المعتقلين وسقط عدد من الضحايا من أبناء العشائر العربية.

في يناير/ كانون الثاني 2018 اعتقل “واي بي جي” شابين من أبناء قبيلة البوبنا، وعندما طالب بهم الأهالي، أنكر التنظيم وجودهم، وبعد أيام قليلة عثر على جثتي الشابين قرب الطريق الدولي “M4” وقد مورس بحقهما تعذيب شديد على غرار عمليات التعذيب التي يقوم بها نظام الأسد ضد المعتقلين.

وفي اليوم التالي من الحادثة أعلنت عشائر منبج عن إضراب أطلق عليه “الكرامة” احتجاجا على مقتل وتعذيب الشابين حيث أغلقت المحلات التجارية في المدينة رغم كل محاولات التنظيم لردع الأهالي عن المشاركة في الاضراب.

وتلى الإضراب مظاهرات كبيرة في المدينة لم تتوقف حتى تدخلت الولايات المتحدة وقدمت وعودا بالتحقيق بالجريمة ثم تنصلت من تعهداتها أمام العشائر.

في العامين 2019 و2020 ورغم كل محاولات التنظيم فرض التجنيد الإجباري والتضييق على الأهالي وحرمانهم من حقوقهم والتضييق عليهم واعتقال أبنائهم كانت تخرج العشائر العربية في مظاهرات سلمية لإرسال رسالة للرأي العام بعدم قبولهم بسيطرة التنظيم على مدينتهم.

في مايو/أيار2021 عاود التنظيم الضغط على السكان من خلال إعادة فرض قانون التجنيد الإجباري والتضييق عليهم اقتصاديا.

واندلعت مظاهرات واسعة في جميع أرجاء منبج رفضاً لهذه السياسات، ورفعت العشائر سقف مطالبها بخروج التنظيم، وهتف أبناء العشائر بشعارات تشبه التنظيم بنظام الأسد.

وجابت المظاهرات الشوارع واستطاع أبناء العشائر إغلاق مداخلها ومخارجها، فقام عناصر التنظيم بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين ما أدى الى سقوط 8 ضحايا وجرح 53 مدنيا.

ونقلت العديد من وسائل الإعلام هذه المظاهرات لأبناء منبج مما حدى بالولايات المتحدة بإدانة جريمة قتل المتظاهرين.

كما أدانت وزارة الخارجية التركية وعدد من الدول والمنظمات الدولية جريمة قتل المتظاهرين العزل، وطالبت ألمانيا بتحقيق دولي بهذه الجريمة النكراء.

الرفض الشعبي من قبل العشائر لتنظيم “واي بي جي” عزز الموقف التركي المطالب بتطهير المناطق التي يسيطر عليها التنظيم الذي بات وجوده يشكل تهديدا حقيقيا على حياة السكان الذين يعيشون فيها وبالمناطق المجاورة.

** تطهير منبج من “واي بي جي”

بعد سيطرة “واي بي جي” على المدينة بدعم من التحالف الدولي تعهدت الولايات المتحدة بكبح جماح التنظيم وسحب السلاح الثقيل ومنع تحويل المدينة إلى قاعدة ينطلق منها التنظيم لضرب المناطق الآمنة التي انشأتها تركيا شمالي سوريا.

إلا أن واشنطن ماطلت وتنصلت من تعهداتها أمام انقرة التي كانت تراقب الوضع عن كثب وتدرك خطورة بقاء الوضع على ما هو عليه.

ومع تكرار سياسة المراوغة والمماطلة من قبل واشنطن التي لم تتوقف عن تزويد التنظيم بأسلحة ثقيلة واتخاذ التنظيم للمدينة كقاعدة للقيام بأعمال إرهابية ضد مناطق شمالي سوريا وضد الأراضي التركية، تأتي العملية التركية المرتقبة لتحرير المدينة وتحويلها من مصدر للإرهاب إلى منطقة آمنة تضاف إلى المناطق الآمنة الأخرى التي شكلتها من خلال 3 عمليات عسكرية شمالي سوريا.

وفي الآونة الأخيرة، أكدت تركيا أنها بصدد الانتقال إلى مرحلة جديدة بشأن إنشاء منطقة آمنة على عمق 30 كيلومترا شمالي سوريا، وتطهير منطقتي تل رفعت ومنبج من الإرهابيين.