6 أكتوبر، 2022 | 1:08 صباحًا
مقالات كتّاب

المتغيرات الداخلية والخارجية بتركيا بعد خمس سنوات من الانقلاب الفاشل

بقلم/طه عودة أوغلو/باحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية [1]خاص لصحيفة سراي بوست

بعد مشاكل وخلافات كثيرة مع العالم الخارجي وصل البعض منها إلى حد القطيعة، بدأت السياسة التركية خلال فترة قياسية باستدارة دبلوماسية جذرية كان عنوانها العريض “التطبيع وترميم العلاقات” مع عدة دول إقليمية وعالمية شهدت أثناءها الكثير من المد والجزر وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا مروراً بالمملكة العربية السعودية والإمارات ومصر إلى أخر الإحتلال الإسرائيلي.   

لعل الكثير من مستجدات الأمور تداخلت مع بعضها البعض لتدفع تركيا وحكومتها في طريق إيجاد السبل الكفيلة بإصلاح البيت الداخلي والخارجي وقد يكون أولّها تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة التي وقعت في 15 تموز/يوليو 2016 حين استيقظت تركيا على حقيقة مرةّ بأن سياسة “صفر المشاكل” التي تبنتها منذ وصولها إلى السلطة في عام 2002، وصلت إلى مرحلة “صفر علاقات خارجية” خصوصاً في عام 2016 بعد رصدها لتورط أصابع خارجية في مؤامرة الانقلاب على رئيسها رجب طيب إردوغان، وبأن الكثير من الدول كانت تتربص لها وتكيد المكائد لإضعافها وإنهاكها من باب التعبئة الداخلية ضدها من جهة واللعب على حبل إفلاسها اقتصاديا من جهة أخرى.

يمكن القول أيضا أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي بدأت في تركيا منذ عام 2018 وما زالت مستمرة معها إلى اليوم، جعلتها تراجع خططها لتستنفر طاقتها وجهودها في وضع حد لما يمكن وصفه بـ”الدراما الإقليمية والعالمية”، فكانت البداية بإطلاق تصريحات “المصالحة” التركية باتجاه مصر ومن ورائها المملكة العربية السعودية والإمارات.. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تفاهمات مهمة بين “أنقرة” و”القاهرة” خصوصا مع إقرار البرلمان التركي تشكيل لجنة صداقة برلمانية بين البلدين بعد زيارة مهمة قام بها وفد تركي رسمي إلى القاهرة في مايو/أيار 2021، كانت الأولى من نوعها منذ الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي عام 2013.

في المقلب الآخر، اتجهت تركيا أيضا للتودد إلى الولايات المتحدة من الباب الإسرائيلي حين حصل ذلك الاتصال النادر بين رئيسي البلدين رجب طيب إردوغان وإسحاق هرتسوغ أولا ومن ثم الإعلان صراحة على لسان المتحدث باسم الحزب الحاكم عمر تشليك أن “تركيا وإسرائيل اتفقتا على العمل من أجل تحسين علاقاتهما المتوترة”.

كما أطلقت تركيا أيضا صافرة التقارب مع أوروبا التي هددتها بعقوبات اقتصادية، فبعثت برسائل صلح وطمأنة من خلال محاولة تخفيض التوتر مع فرنسا التي شهدت “ملاسنات نارية” معها عبر الاتفاق على خارطة طريق جديدة بين البلدين تعيد العلاقات على مجرياتها الطبيعية.

أما بالنسبة لروسيا، فقد شهدت الأشهر الأخيرة تحولا بارزا في موقف تركيا بالتنازل عن ثوابت كانت تتمسك بها من أجل التقارب مع الرؤية الروسية بالحل في سوريا سعيا للخروج من عنق زجاجة هذه الأزمة التي كلفتها الكثير سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

ويرجع المراقبون توجه حكومة إردوغان إلى كسر الجليد الذي غلف العلاقات مع العالم الخارجي في السنوات الأخيرة إلى المتغيرات والتحولات الكثيرة التي حصلت أيضا بداخل البلاد مع استغلال بعض الرموز الغاضبة من سياسة إردوغان داخل حزب “العدالة والتنمية” الحاكم وأيضا في صفوف المعارضة انشغال “أنقرة” بسياستها الخارجية، لتبدأ بشق الصفوف وإنشاء أحزاب وتكتلات جديدة تشكل خطرا كبيرا على استمرارية حكم إردوغان خصوصا مع توارد استطلاعات الرأي العام التي تشير إلى تراجع شعبية الحزب الحاكم نتيجة عوامل عدة أهمها تردي الأوضاع الاقتصادية.

لا بد أن حكومة إردوغان ومع هذه المتغيرات الجديدة فطنت لضرورة إعادة ترتيب أوراقها وبيتها الداخلي والخارجي وإنشاء خارطة تحالفات إقليمية ودولية جديدة تتجاوز بها الأزمات المتراكمة بداخل البلاد وتنعشها أيضا من الناحية الاقتصادية.  

وأخيرا، يمكن القول أن انهيار الثورات العربية في المنطقة جنباً إلى جنب مع “الانقلاب الفاشل” بالداخل التركي لم يحدث فقط خضة كبيرة بداخل الحزب الحاكم وحكومة الرئيس إردوغان بل وكشف معه أيضا حقيقة ضعف العلاقات والصداقات والشراكات الاستراتيجية بين تركيا والعديد من المجتمع الدولي والإقليمي، وبأن تركيا لديها مشكلة كبيرة في إيجاد حلفاء حقيقيين داخل الصف الإقليمي والدولي طالما لم تخفض من سقف مواقفها وتقليل خصومها قدر الإمكان.

المصادر

المصادر
1 خاص لصحيفة سراي بوست