30 سبتمبر، 2022 | 2:13 صباحًا
مقالات كتّاب

أحداث أنقرة تدق “ناقوس الخطر” بشأن مصير اللاجئين السوريين في تركيا

طه عودة أوغلو العلاقات التركية الألمانية

بقلم/ طه عودة أوغلو/باحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية [1]خاص لصحيفة سراي بوست

لا شيء يعلو في تركيا هذه الأيام على صوت النقاشات المتعلقة بملف اللاجئين السوريين الذي يتمايل كالأغصان مع رياح حكومة حزب “العدالة والتنمية” الحاكم المؤيدة لبقاءهم والمعارضة التي تدعو إلى ترحيلهم لبلادهم، ليتصدر السوريون المشهد الداخلي بشكل يأخذ منحى تصاعديا مقلقا.  

منذ أشهر، يطالب كبير أحزاب المعارضة في تركيا حزب “الشعب الجمهوري” ومن خلفه أحزاب المعارضة الأصغر بضرورة إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم معتبرا أنهم بمثابة عبء اقتصادي على البلاد والعباد، بل وذهب إلى أكثر من ذلك متحدثا عن خطة جاهزة أعدها حزبه تتيح إعادة اللاجئين خلال عامين فقط، وتعهد بأنه في حال وصوله إلى كرسي الرئاسة عام 2023، فإن هذا الأمر سيكون أول عمل يقوم به.

هذا التجاذب السياسي لم يقتصر فقط على كبير أحزاب المعارضة بل خرج شخصيات وأحزاب معارضة أخرى تسير على نفس المنوال متعمدة تصدير الملف ليبقى في الواجهة السياسية باستمرار ومنهم ميرال أكشنر زعيمة حزب “الجيد” والملقبة بالمرأة الحديدية التي تعهدت في حال انتخابها لرئاسة البلاد بالشروع فورا في عملية إخراج السوريين من البلاد وإعادتهم إلى بلدهم بل وبإستعادة حي “الفاتح” في “اسطنبول” للأتراك  في إشارة إلى التواجد الكبير للسوريين فيه، مؤكدة أن ترحيل السوريين سوف يضمن السلام والرفاهية للشعبين السوري والتركي.

بالمثل أيضا، ذهب رئيس بلدية مدينة “بولو” تانجو أوزجان إلى حد أنه طلب فرض رسوم قدرها عشرة أضعاف على فواتير المياه الخاصة بالأجانب، في إشارة إلى اللاجئين السوريين.

وفي مقابل كل هذه الأصوات المعارضة، خرج الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بتصريح مضاد ليؤكد أنه “ما دمنا في السلطة بهذا البلد، فلن نلقي بعباد الله الذي لجئوا إلينا في أحضان القتلة”، مؤكدا أن “هؤلاء طرقوا أبوابنا واحتموا بنا، ولا نستطيع أن نقول لهم عودوا من حيث أتيتم”.  

ومع احتدام النقاشات والاستقطابات بين الأحزاب السياسية، بدأت حالة الرفض الشعبي التركي تأخذ طابعا اجتماعيا متوترا تجاه السوريين، ارتفع في ظل موجة كبيرة من الاعتداءات العنصرية ضدهم ليتحول مصير السوريين إلى شعلة نار ألهبتها أكثر حادثة مقتل شاب تُركي يسمى أميرهان يالتشن على يد شخص سوري في العاصمة “أنقرة” قبل أيام لتصاحبها أعمال عنف طالت مئات اللاجئين السوريين في مختلف المناطق التركية. ووفقا للاستطلاعات الأخيرة، وصلت نسبة الرفض التركي للاجئين السوريين إلى 67 بالمئة بعدما كانت نحو 57 بالمئة عام 2016.

ويحمل الحزب الحاكم، المعارضة التركية الممثلة بحزب “الشعب الجمهوري”، مسئولية شحن وتوتير الأوضاع وتشكيل رأي عام رافض وساخط ضد الوجود السوري بالبلاد بسبب الخطاب السياسي المعادي الذي يتبناه والذي لا يخلو من مبالغة غير بريئة لإحراج حكومة إردوغان وتأليب الشعب عليها بحجة سوء إدارتها للملف السوري مع قرب موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية.

وإذا كانت المعارضة ترى بشكل واضح وصريح أن اللاجئين السوريين هم المسئولون عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد بسبب الاختلافات الثقافية والاجتماعية والمنافسة على سوق العمل، يرى المراقبون أيضا أنه على الرغم من مواقف الحكومة التركية الداعمة للسوريين على أراضيها إلا أن التصريحات التي تصدر باستمرار من رأس الهرم التركي أن تركيا صرفت  على اللاجئين السوريين أكثر من 40 مليار دولار دون ذكر المليارات التي تقدمها دول الاتحاد الأوروبي والمنظمات الأممية والدولية، ساهمت هي الأخرى بشكل مباشر في تصاعد الغضب الشعبي التركي ضد اللاجئين السوريين في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

وعلى الرغم من أن البعض ينظر إلى ذلك الخطاب أنه يندرج ضمن المناكفات السياسية بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم، فإن المعطيات تشير إلى أن التصاعد في طرحه قد يؤدي إلى مؤشرات خطرة، في حين يقول البعض إن هذه التجاذبات لها أبعاد نفسية تكمن في إجبار السوريين على العودة إلى بلادهم، وبذلك يبدو واضحا أن الاحتقان الداخلي أخرج قضية الوجود السوري في تركيا من  إطارها الإنساني إلى الإطار السياسي.

ووسط كل هذه الضجة الكبيرة والحملات التحريضية بحق السوريين، يستغرب الكثيرون من موقف الجهات السورية الممثلة بالائتلاف السوري وبعض المؤسسات المدنية التي تبدو وكأنها غائبة تماما عن المشهد إلا ببعض التصريحات الخجولة التي لا ترقى لمستوى الحدث.

وأخيرا…وبعد هذه التطورات  لا يمكن القول بأن الوجود السوري في تركيا بات مهددا  كما لا نستطيع القول إنه بات مستقرا لكن الشيء المؤكد أن الأجواء تركيا باتت مشحونة ضد الوجود السوري.

المصادر

المصادر
1 خاص لصحيفة سراي بوست