1 فبراير، 2023 | 2:19 صباحًا
أخبار دولية

“سويسرا باكستان” تئن من الحرائق المتعمدة

يجذب وادي “سوات” شمال غربي باكستان ملايين الزوّار كل عام٬ بسبب قممه المغطاة بالثلوج وبحيراته الزرقاء وهضابه الخضراء وغاباته الكثيفة.

ويعتبر الوادي المعروف باسم “سويسرا باكستان” الموقع المفضل لدى السياح٬ حيث زاره نحو مليوني شخص العام الماضي نظرا لمناظره الطبيعية الخلابة.

ومع ذلك، تسببت حرائق الغابات الهائلة في حرق أكثر من 14 ألف فدان من غطائه النباتي خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.

بجانب الظروف الجوية الجافة، يعمد بعض السكان المحليين لإشعال الحرائق “عن قصد” بغية الاستفادة من قانون قديم يسمح لهم بمشاركة ملكية الغابات مع الحكومة.

يسمح قانون “الشاملات”٬ أو قانون الملكية المشتركة، الذي استحدثته قبيلة “يوسفزاي” عندما استولت على وادي “سوات” في القرن السادس عشر، للمجتمعات المحلية بمشاركة ملكية الغابات مع الحكومة.

وبموجب القانون، يمكن للسكان حصاد مساحات الغابات الفارغة٬ واستخدام المراعي لتربية مواشيهم في مناطقهم الخاصة.

ومع ذلك، لا يمكنهم قطع الأشجار باستثناء الأغصان المتعفنة أو الحطب.

ظل القانون دون تغيير٬ حتى أثناء الحكم الاستعماري البريطاني، كما تبنته باكستان أيضا مع بعض التعديلات في عام 1969.

وقال لطيف عبد الرحمن المتحدث باسم إدارة الغابات في شمال غرب إقليم “خيبر باختونخوا”نشهد اتجاها متزايدا لحرائق الغابات المتعمدة في السنوات الأخيرة في وادي سوات بهدف الحصول على المزيد من الأراضي للزراعة”.

وأضاف عبد الرحمن أن السكان المحليين يرغبون في زيادة أراضيهم الزراعية بسبب زيادة عدد السكان واحتياجاتهم الغذائية٬ مؤكدا أن “النار هي أفضل طريقة لتطهير أراضي الغابات من الأشجار”.

وتابع: “يعتقد الناس بشكل خاطئ أن الأشجار أقل أهمية من الزراعة٬ وهذا يدمر الدورة البيئية بأكملها، ويزيد من مخاطر الانهيارات الأرضية والسيول”.

** من تقليد إلى قانون

من جانبه، قال محمد نفيس، رئيس قسم العلوم البيئية في جامعة بيشاور إن قانون “شاملات” يعتبر في الواقع “تقليد قبلي” منذ قرون٬ اكتسب لاحقا وضعا قانونيا من النظام الاستعماري البريطاني والحكومة الباكستانية.

ووفقا لتقليد “شاملات” الأصلي تعد الأنهار والجبال والجداول والغابات “ملكا مشتركا” للقبيلة.

وبعد التأسيس في عام 1969، أجرت الحكومة الباكستانية بعض التغييرات، معلنة أن أشجار الغابات “ملكية حكومية”، بينما مُنح السكان المحليون الحق في حصاد أراضي الغابات٬ والحصول على أغصان الأشجار للاستخدام المنزلي.

وأشار نفيس إلى أن هناك قانونا آخرا “غير مكتوب” يسمح للمزارع الذي تلامس أرضه غابة جبلية “بتطهير قطعة الأرض المجاورة٬ ودمجها في قطعة الأرض الخاصة به”.

وأكد نفيس، الذي كتب أطروحة بعنوان: “حرائق الغابات في وادي سوات” أن الحرائق المتعمدة والإهمال كانا عاملين رئيسيين وراء زيادة إزالة الغابات في هذا الوادي الخلاب.

وقال إن منطقة سوات كانت تتمتع بغطاء نباتي قوي بنسبة 30 بالمئة في وقت الاستقلال عام 1947 والذي تم تقليصه تدريجياً إلى أقل من 15 بالمئة.

وأضاف: “حاليا لم يتبق سوى الجبال البعيدة والمرتفعة التي تتمتع بغطاء نباتي كثيف٬ بينما تم تحويل الغابات على الجبال المنخفضة الارتفاع إلى أراض زراعية”.

** تدمير البيئة

وتخضع 70 بالمئة من الغابات في وادي سوات لقانون “شاملات”، في حين أن 30 بالمئة المتبقية تقع إما تحت سيطرة الدولة أو مملوكة للقطاع الخاص.

ولا يزال رجال الإطفاء المدعومين بطائرات هليكوبتر تابعة للجيش يكافحون لإخماد الحرائق المستعرة في غابات الصنوبر في سوات والمناطق المجاورة في “شانجلا” و”بونر”.

وتسببت الحرائق التي تعززها الرياح، وفقا لإدارة الغابات، في حرق آلاف الأشجار وقتل العديد من الأنواع النادرة من الطيور والحيوانات.

كما لقي٬ الأسبوع الماضى٬ ما لا يقل عن 4 أشخاص مصرعهم، بينهم 3 سيدات، في حريق الغابات بمنطقة “شانغلا”.

وتقول أحدث التقارير الصادرة عن إدارة الغابات إنه تم الإبلاغ عن أكثر من 200 حريق غابات في مقاطعة “خيبر باختونخوا”، خاصة في مناطق سوات وشانغلا وبونر.

وأشار التقرير الى أن من بين 210 حرائق غابات مسجلة، هناك 55 حريقا تم “عن قصد” من السكان المحليين، بينما كان 12 حريق فقط بسبب الظروف الجوية الجافة٬ ولا يزال التحقيق جاريا في أسباب الحرائق المتبقية وعددها 143.

وأضاف التقرير أنه تم اعتقال ما يقرب من 20 من السكان المحليين بتهمة إشعال النار “عمدا” في الغابات خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.

وقال وسيم خان، كبير مسؤولي الغابات في سوات ، إن 95 بالمئة من حرائق الغابات التي تم الإبلاغ عنها إما أنها تقع تحت قانون “شاملات” أو مملوكة ملكية خاصة.

وأوضح أن عدم السيطرة على السياحة الخارجية و”تهور” السكان المحليين٬ والبرق٬ تعد من العوامل الأخرى التي تحفز حرائق الغابات، قائلا إنها “مشكلة طويلة الأمد”.

وأشار خان إلى أنه “بصرف النظر عن الحرائق المتعمدة، تحدث العديد من حرائق الغابات بسبب إهمال السكان المحليين والسياح”.

وتابع: “في كثير من الحالات، يحاول السكان المحليون إزالة المراعي المرتفعة ومساحات الغابات من الحشائش الفاسدة والجافة من خلال الحرق المتحكم فيه. لكن هذا الحرق الخاضع للرقابة يخرج عن السيطرة في بعض الأحيان٬ ويبتلع الغابة بأكملها”.

ونوّه أن حريقا هائلا اندلع أواخر الشهر الماضي بعد أن أشعلت مجموعة من المتنزهين النيران في الأعشاب، ما أدى إلى تدمير غابة الصنوبر في مقاطعة بلوشستان الجنوبية الغربية ومقتل 3 أشخاص.

** تقويض جهود التشجير

وقال المتحدث الرسمي لإدارة الغابات في منطقة الوادي، لطيف عبد الرحمن إن الحكومة ستفرض غرامات كبيرة إلى جانب أحكام بالسجن على المشتبه بهم الذين يثبت تورطهم في الحرائق المتعمدة.

وبالإشارة إلى عدم تنفيذ القوانين الجنائية في الماضي، قال عبد الرحمن إن أي شخص متورط في حريق متعمد يمكن تغريمه ما يصل إلى 100 ألف روبية باكستانية (487 دولارا) عن كل شجرة٬ بالإضافة إلى السجن لمدة تصل إلى عامين.

وتعد باكستان واحدة من الدول العشر الأكثر عرضة لتغير المناخ٬ حيث قوضت موجة حرائق الغابات الأخيرة مشروع “تسونامي 10 مليارات شجرة” الذي أعلن عنه رئيس الوزراء السابق عمران خان الذي لا يزال حزبه “تحريك إنصاف الباكستاني” يحكم إقليم خيبر بختونخوا.

مشروع زراعة الأشجار الطموح الذي يهدف إلى استعادة الغطاء النباتي سريع النضوب في البلاد، حاز على تقدير الأمم المتحدة أيضا.

كما استضافت باكستان٬ العام الماضي٬ احتفالات بيوم البيئة العالمي للمرة الأولى في تاريخها بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة.