1 فبراير، 2023 | 2:09 صباحًا
مقالات كتّاب

المشهد السياسي التركي .. قراءة استشرافية

بقلم/طه عودة أوغلو – باحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية [1]خاص لصحيفة سراي بوست

مع مرور الوقت، يزداد المشهد السياسي التركي على مستوى العلاقات الداخلية والخارجية تعقيدا ما يجعل الغموض هو سيد الموقف في أي قراءة استشرافية لمستقبله لكن الشيء الأكيد هو إن ظاهرة التعقد هذه مرشحة للتطور خلال الأشهر الخمسة المقبلة نظرا لما يحمله هذا العام من ملفات ثقيلة وشائكة على تركيا وصّناع القرار فيها.

من المعروف أن التحركات التركية بدأت تأخذ خلال الأشهر الأخيرة الماضية طابع السرعة على الصعيدين السياسي  والعسكري، فبات يصعب على المتابعين لهذه التحركات ترجيح مشهد على أخر لكن ما يمكن قوله في هذا الخصوص أن التطورات المقبلة على الصعيد الدولي والإقليمي ستلعب دورا حاسما في مسار الحلول التي تحاول الدول الكبرى المعنية خصوصا بالملفات (السوري والليبي وشرق المتوسط) إقرارها، وهو ما يعني أن تركيا مرشحة لأن تقع في خضم الكثير من التحديات الجوهرية الكبيرة للصعود إقليميا بسبب كثرة اللاعبين وتضارب مصالحهم.




وبينما تمر تركيا حاليا بمرحلة حساسة للغاية على كافة الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، رسمّ الكثير من الخبراء سيناريوهات عدة للأشهر المقبلة؛ غالبها في المتوقع أن تكون صعبة بالنسبة لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم وللرئيس رجب طيب إردوغان في ظل التسريبات التي تتحدث أن البلاد مقبلة على أحداث جسيمة وملفات داخلية وخارجية شائكة في بحر هذا العام خصوصا مع تزايد استطلاعات الرأي العام التي ترجح تراجع شعبية الرئيس إردوغان وحزبه الحاكم قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة المزمع إجراءها في عام 2023.

مع ذلك، يبدو واضحا للجميع أن الرئيس إردوغان يسعى بكل قوته للإمساك بزمام الأمور داخل الحزب الذي أسسه قبل عقدين من الزمن تقريبا وإن كان يخشى، بحسب المراقبين، مواجهة نفس مصير حزب “الوطن الأم” الذي أسسه الرئيس الأسبق تورغوت أوزال عام 1983، بأن تفلت الأمور من يده في حال تزايد التصدعات والانشقاقات داخل الحزب بعد بروز أحزاب جديدة خلال العامين الماضيين تحاول إعادة ضبط الإيقاع السياسي والاقتصادي للبلاد بمعزل عمن تصفه بسيطرة وحكم الرجل الواحد.

على صعيد مستقبل الداخل التركي، أغلب التوقعات تشير إلى استمرار حالة الاستقطاب السياسي بين الأحزاب التركية خلال العام الجاري حيث ستركز المعارضة أكثر على الضغط في مسألة الانتخابات المبكرة وإثارة الجدل بشأن الدستور الجديد والنظام الرئاسي، وذلك بعد أن غيرّ كبير أحزاب المعارضة وزعيم حزب “الشعب الجمهوري” كمال كليجدار أوغلو خطابه وأدخل بند “الانتخابات المبكرة” على جدول الأعمال في الربع الأخير من العام 2020.

في المقابل، تبدو مهمة الرئيس إردوغان صعبة خلال الأشهر المقبلة حيث سيضطر إلى الالتفات أكثر للداخل التركي لمعالجة جذور التراجع الشعبي الذي يهدد حزبه وحكومته؛ وهذا يعني بطبيعة الحال أن يتجه لتخفيف لهجته وأخذ استراحة المحارب فيما يخص الجبهة الخارجية حتى يتسنى له السيطرة على الموقف الداخلي.. ولعل هذا ما تم ملاحظته من خلال الرسائل الناعمة التي يمررها بين الحين والآخر إلى الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا أي يمكن القول بأن لغة المصالحة مع الخارج ستطغى على الخطاب التركي في هذه الأثناء.

ومع استراحة المحارب هذه، يبدو أن الرئيس إردوغان سوف يتبنى في الفترة القادمة لغة مطاطية في تعامله مع الولايات المتحدة وأوروبا في أهم ملفين خارجيين يؤرقان البلاد: الأول يتعلق بصواريخ “إس 400” والثاني بشرق المتوسط.. إذ من الواضح أنه على الرغم من اللهجة التصالحية الجديدة مع الغرب والولايات المتحدة، لن يطرأ أي تغيير على موقف تركيا وسياساتها في هاتين القضيتين الحساستين، فالأمر محسوم بالنسبة لها لحماية ما تصفه بحقها وحقوقها في المنطقة، كما يؤكد المسئولون الأتراك هنا..

وإن كان ملف الصواريخ الروسية سيتعب تركيا قليلا لكن في مسألة شرق المتوسط لديها حجة منطقية ومقنعة بأن الكرة  حاليا في ملعب الطرف الآخر (اليونان) التي يجب عليها أن تجلس إلى طاولة الحوار مع تركيا إذا كانت تريدا حلا عادلا للمشكلة هناك.

وبالمثل أيضا فيما يخص الملف الليبي، فحسب تصريحات المسئولين الأتراك لا تراجع في سياسات تركيا هناك من ناحية تشجيع الحوار الليبي-الليبي ومشاركة الدول الإقليمية المؤثرة بهذه القضية لإنهاء الأزمة بما يحفظ مصالح الشعب الليبي ووحدة أراضي بلاده.

وعلى صعيد الملف السوري، ينقسم الموقف التركي إلى شقين، الأول يتعلق بالنظام السوري حيث أن الموقف التركي منه ثابت من ناحية أنه “نظام غير شرعي” ويجب إنهاؤه من خلال عملية سياسة شاملة في كل سوريا.. أما الشق الثاني فهو يخص الشمال السوري، وتركيا ثابتة هناك بتحركاتها العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية وكذلك الوجود العسكري التركي في “إدلب” غير قابل للنقاش.

وعن العراق وشماله تحديدا، يبدو أن التحركات التركية العسكرية ستتوسع أيضا خلال عام 2021 ضد حزب “العمال الكردستاني” بمزيد من التنسيق الأمني والعسكري بين “أنقرة” و”بغداد” وحتى مع “أربيل” بهدف وضع حد للإرهاب الذي يستهدفها من هناك ويمثل هاجسا كبيرا للأمن القومي التركي.

ختاماً؛ يمكن تلخيص السياسة الخارجية التركية السائدة حاليا مع بقية دول العالم أنها سياسة تعتمد على قاعدة القوة والندية المتبادلة خصوصا مع أمريكا والدول الغربية حيث ترفض تركيا التعامل معها على أساس “التبعية”  لكن في نفس الوقت هي مضطرة حاليا لإظهار بعض الليونة حتى يتسنى لها إعادة ترتيب البيت الداخلي الذي يبدو بأنه أصبح الآن أكثر تعقيدا بالنسبة لحكومة الرئيس إردوغان من القضايا الخارجية. 

مقال خاص لصحيفة: سراي بوست

المصادر

المصادر
1 خاص لصحيفة سراي بوست