اخبار دوليهالشأن التركي

دوافع واحتمالات العملية العسكرية المقبلة في شمال سوريا ، بقلم /طه عودة اوغلو/

ا

على صفيح ساخن، تتواصل ردود الأفعال التركية والدولية حول العملية العسكرية التي هدد الرئيس رجب طيب إردوغان بتنفيذها في شمالي سوريا مخلفة حيرة بالغة حول إمكانية حدوثها وكيفية تجاوز العقبات الوعرة التي تعترضها في هذا الطريق كسبيل لحسم ملف الشمال السوري.

من خلال التصريحات والمؤشرات التي خرج بها اجتماع مجلس الأمن القومي التركي، الأسبوع الماضي، وأشار فيها إلى أن 90 بالمئة من التحضيرات للعملية العسكرية التركية قد اكتملت، وبأن إطلاقها ينتظر ساعة الصفر التي يحددها الرئيس إردوغان، فإن الجميع يترقب ما إذا كانت تركيا ستترجم تهديدها على أرض الواقع في ظل حقائق كثيرة لا بد من أخذها بعين الاعتبار.

ومن هذه الحقائق أن البعض يرى أن الطلب الذي قدمته السويد وفنلندا لعضوية حلف “الناتو” منح “أنقرة” ورقة تفاوضية غاية في الأهمية مع الغرب وأوروبا وروسيا، وهو ما أحيا فكرة العمل العسكري التركي في سوريا من جديد، والبعض الأخر يرى أن مسألة انضمام فنلندا والسويد إلى حلف “الناتو” وضع تركيا تحت ضغط مزدوج من جانب روسيا التي ترفض بالمطلق هذا الانضمام الذي يعني أن “الناتو” سيتخندق على حدودها، وهو ما حاولت إبعاده من خلال حربها على أوكرانيا، وتعول على “أنقرة” للوقوف كسد مانع في وجه هاتين الدولتين؛ ومن جهة أخرى أوروبا والغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الذين يحثون “أنقرة” ليلا ونهارا على الموافقة على عضوية الدولتين ويحاولون إغرائها بمكاسب سياسية وعسكرية وأمنية.

لكن بالنسبة لي، أنا أنظر من الزاوية المعاكسة على اعتبار أن ثمة أسئلة محيرة تخطر على البال ما زالت الإجابات عليها يحيطها قدر كبير من الغموض والضبابية من قبيل: لماذا لجأت فنلندا والسويد إلى طلب الانضمام للحلف وفتح جبهة تحدي إضافية ضد روسيا بعد سنوات من سياسة الحياد والنأي بالنفس عن الصراع بين الغرب وروسيا لا سيما أن العالم كله منشغل بالحرب على أوكرانيا في مقابل عجز دول كبرى أوروبية وغربية عن إيقاف الدب الروسي؟.. وإذا كان هدف الدولتين بالفعل هو تحييد أي خطط عسكرية محتملة في المستقبل لروسيا التي يتقاسمان معها أطول حدود برية على الإطلاق بنحو 1300 كلم، فحري بهما أن ينظرا إلى أوكرانيا والدمار الذي لحق بها لمجرد أنها تجرأت على مثل هذا الطلب؛ وماذا عن حلف “الناتو” بكل قوته وهيبته وجيشه، ماذا قدم لأوكرانيا حتى الآن؛ اللهم ما عدا الكلام المزين؟..

بالمثل أيضا، نبحث عن السبب والتوقيت الذي دفع بالرئيس إردوغان إلى التهديد مجددا بشن عملية عسكرية جديدة في شمالي سوريا لتنفيذ المشروع والهدف التركي القديم الذي لم يكتمل بعد بسبب تدخل روسيا هناك، والمتمثل بمسألتي حماية “الأمن القومي التركي، وملف المنطقة الآمنة”؟. إردوغان في تصريحاته الأخيرة أكد إن “تركيا ستستكمل الخطوات التي تتعلق بالجزء المتبقي من الأعمال التي بدأتها لإنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كيلومترا على طول حدودها الجنوبية مع سوريا”، وشدد على إن “أولوية تركيا في العمليات العسكرية بسوريا وتركيزها سيكون على المناطق التي تعد مركز انطلاق للهجمات على تركيا والمناطق الآمنة في سوريا”، أي “عين العرب”، “تل رفعت”، “عين عيسى”، و”منبج” والتي تخضع جميعها لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من الولايات المتحدة والتي تعتبرها “أنقرة” امتداد لحزب “العمال الكردستاني” الانفصالي.

ومن منظور تركيا، فإن هذه العملية العسكرية ضرورة لا غنى عنها لسببين: أولا، من أجل حماية حدودها الجنوبية المتاخمة لسوريا والتي تنتشر فيها الفصائل الكردية المسلحة خصوصا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والهدف الثاني هو تنفيذ خطة إعادة مليون لاجئ سوري وتوزيعهم في المنطقة الآمنة التي تسعى لإنشائها هناك وهو ما سيوسع من نطاق نفوذها مع المعارضة السورية، ويضمن السيطرة التركية الكاملة على الشمال السوري. فمن المعروف أن تركيا نجحت من خلال العمليات العسكرية السابقة في شمال سوريا بفرض نفوذها وسيطرتها على مساحات كبيرة، وتمكين المعارضة السورية منها، وهي اليوم تسعى للسيطرة على مساحات جديدة بهدف وصل المناطق ببعضها البعض وإقامة منطقة آمنة تكون ملاذا لمليون لاجئ سوري تستضيفهم على أراضيها.

من خلال قراءة ما بين السطور، أرى أن إصرار فنلندا والسويد على الانضمام لحلف “الناتو” بموازاة الدعم الكبير من أوروبا والغرب والولايات المتحدة ومحاولات إقناع تركيا بالقبول بعضوية البلدين لا يشكل ضغطا على “أنقرة” بل على العكس هي بمثابة فرصة وخدمة تُقدم لها على طبق من ذهب يمكن أن تساوم بها روسيا في سوريا على إنشاء المنطقة الآمنة، وهذا ما قد يبرر توقيت إعلان الرئيس إردوغان عن نيته القيام بالعمل العسكري حيث يبدو أن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر ضمنيا لتركيا للقيام بهذه العملية من خلال اللقاء الأخير الذي جمع وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو بمسئولين أمريكيين في الولايات المتحدة خشية من خطط روسيا تنسف النفوذ الأمريكي بالشمال السوري لا سيما أن الولايات المتحدة ليس لها قوات ضاربة على الأرض في شمال غرب سوريا، بالتالي لا سيطرة تذكر لها هناك تمكنها من فرض قوتها باستثناء القوة التي تستمدها من الفصائل الكردية الموالية لها.

صحيح أن “واشنطن” ولغاية اللحظة ما تزال تبدي معارضتها المعلنة للعملية التركية بحجج من مثل حماية التواجد الأمريكي في الشمال وعدم تعريض أرواح نحو 600 جندي أمريكي منتشر في المنطقة للخطر، والتأثير السلبي على مكافحة تنظيم “داعش” في شرق البلاد بالتعاون مع مقاتلين أكراد لكن على ما يبدو أن الحرب الروسية على أوكرانيا والتي أصبحت أكثر قوة وإحكاما تماسكا الآن قد أقلقت راحة الإدارة الأمريكية بشكل كبير ورأت فيها خطرا على نفوذها أيضا في سوريا خصوصا أن “موسكو” بدأت في الفترة الأخيرة بتحدي الوجود الأمريكي بشمال شرق سوريا من خلال انتهاك شروط اتفاق منع الاشتباك، كما وتساهم أيضا في تصعيد القتال بمحافظة “أدلب” شمال غرب سوريا من خلال دعم الجيش السوري في عملياته هناك.

هذا بالضبط ما تحدث عنه المبعوث الأمريكي السابق الخاص بسوريا جيمس جيفري عندما قال في إحدى تصريحاته أن “هناك المزيد من الوقائع والأدلة لتحدي روسيا للوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا حيث حاولوا بضع مرات التعمق داخل المنطقة التي نتواجد فيها مع قوات سوريا الديمقراطية داخل الخطوط الرئيسية التي رسمناها.. وهذه أمر مقلق”.

إذا، يبدو السؤال هنا هو عن طبيعة وشكل التفاهم بين “أنقرة” و”واشنطن” الذي دعاها لتحريك ملف المنطقة الآمنة مجددا، إذا لا بد أن تركيا تدرك تماما أنه لا يمكن ضمان بقاءها العسكري بأمان وسط ذئاب الأكراد في الشمال السوري بدون دعم أمريكي.. كذلك، لا يمكنها أيضا المخاطرة مجددا بالتعرض لإجراءات مماثلة لما حدث لها على خلفية عمليتها العسكرية “نبع السلام” حيث طالتها عقوبات أمريكية وأوروبية، شملت حظر تصدير معدات صناعة الدفاع إليها، كما أن المنطق يقول أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تغير استراتيجيتها أو تضحي بنفوذ كبير لها على الأكراد في سوريا وتقدم تنازلات غير معقولة لتركيا على رأسها مقاربتها الإيجابية ببيعها مقاتلا “إف 16″، ورفع دول الحلف وأوروبا لكل العقوبات التي تم فرضها عليها بما في ذلك تقييد صفقات بيع الأسلحة الأوروبية إلى تركيا لأجل عيون الدولتين الاسكندافيتين خصوصا أننا نتحدث هنا عن إدارة أمريكية حازمة ومتشددة موجودة حاليا بيد الديمقراطيين والرئيس جو بايدن وليس الجمهوريين. بالتالي، مجرد الحديث عن عملية عسكرية بدون موافقة أمريكية ضمنية ستكون له بالتأكيد نتائج كارثية على تركيا خصوصا في هذا التوقيت الذي يستعد فيه حزب “العدالة والتنمية” الحاكم برئاسة إردوغان لانتخابات مصيرية.

في المقلب الآخر، تحتاج تركيا من كل بد أيضا إلى موافقة روسيا التي تنتشر في بعض المواقع السورية التي يستهدف الجيش التركي دخولها في العملية المقبلة، ولديها نفوذ وتواجد عسكري أقوى بكثير من الولايات المتحدة، وهذا أمر صعب الحدوث في ظل العلاقة والأهداف والمصالح الاستراتيجية العظيمة التي تربط “موسكو” بـ”دمشق”. على أن العقل الاستراتيجي الروسي، وبكل تأكيد، يقرأ جيدا ما وراء المناورة الأمريكية على فنلندا والسويد، ويتعامل معها بأعصاب من حديد، وهذا ما يتضح في برودة ردود الأفعال الروسية إزاء طلب الدولتين الاسكندافيتين وتركه الكرة في ملعب تركيا التي يدرك حتما أنها لن تضحي بعلاقاتها معه، والوقوع في الفخ الأمريكي-الأوروبي بالموافقة على توسعة الحلف وفتح جبهة عريضة مع روسيا عبر الحدود الفنلندية لإبعاد الخطر عن أوروبا وإرضاء لأمريكا. وقد تكون حجة روسيا في ذلك هو الموقف الوسطي والمتوازن الذي اتخذه الرئيس إردوغان حتى الآن من الحرب الروسية –الأوكرانية، ورفض تركيا مطالب حلفائه بفرض عقوبات على روسيا، رغم أنها عضو في حلف شمالي الأطلسي “الناتو”.

بناء على كل هذه المعطيات، لا تبدو فكرة تنفيذ عملية عسكرية جديدة في سوريا بسهولة الكلام عنها إذ تتشابك الحسابات التركية بالتأكيد مع المصالح المتضاربة مع روسيا وهذا ما لا تريده “أنقرة”.. من المعروف أن الحديث عن إقامة منطقة عازلة شمالي سوريا هي فكرة تركية مطروحة منذ السنوات الأولى من الثورة السورية، وتكرار الحديث عنها لا بد أنه لأهداف محددة قد تكون على رأسها أن جميع الحسابات السياسية في تركيا تدور حاليا حول الانتخابات المقبلة التي أصبحت فيها شعبية الحزب الحاكم في خطر بسبب المشاكل الاقتصادية التي تعيشها البلاد. بالتالي، فإن إعادة مليون سوري إلى بلادهم هي فكرة تدغدغ مشاعر الشعب التركي الذي يتصاعد رفضه للوجود السوري في بلاده. من هنا، يمكن القول أن حكومة “أنقرة” وفي حال إصرارها على القيام بهذه العملية، فإنها يمكن أن تستثمر وسطيتها بين روسيا وأمريكا، بإقناعهما في القبول بعمل عسكري خاطف ومحدود النطاق لإغلاق ملف حساس يتعلق بأمنها القومي من جهة ومكاسبها الانتخابية من جهة أخرى .